الغزالي

13

إحياء علوم الدين

أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب ، واشتغاله به ، والتفاته إليه : وملاحظته إياه ، وانصرافه إليه وأما المعرفة التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد . قائم على كل نفس بما كسبت . وأن سر القلب في حقه مكشوف ، كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف ، بل أشد من ذلك . فهذه المعرفة إذا صارت يقينا ، أعنى أنها خلت عن الشك ، ثم استولت بعد ذلك على القلب وقهرته ، فرب علم لا شك فيه لا يغلب على القلب ، كالعلم بالموت ، فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب ، وصرفت همه إليه . والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون ، وهم ينقسمون إلى الصديقين ، وإلى أصحاب اليمين فمراقبتهم على درجتين : الدرجة الأولى : مراقبة المقربين من الصديقين ، وهي مراقبة التعظيم والإجلال ، وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ، ومنكسرا تحت الهيبة ، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا . وهذه مراقبة لا نطوّل النظر في تفصيل أعمالها ، فإنها مقصورة على القلب . أما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات وإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها ، فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد ، بل يسدد الرعية من ملك كلية الراعي ، والقلب هو الراعي ، فإذا صار مستغرقا بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف وهذا هو الذي صار همه هما واحدا ، فكفاه الله سائر الهموم . ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق ، حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه ، ولا يسمع ما يقال له مع أنه لا صمم به . وقد يمر على ابنه مثلا فلا يكلمه ، حتى كان بعضهم يجرى عليه ذلك ، فقال لمن عاتبه : إذا مررت بي فحركني ولا تستبعد هذا ، فإنك تجد نظير هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض ، حتى أن خدم الملك قد لا يحسون بما يجرى عليهم في مجالس الملوك لشدة استغراقهم بهم . بل قد يشتغل القلب بمهم حقير من مهمات الدنيا ، فيغوص الرجل في الفكر فيه ويمشى ، فربما يجاوز الموضع الذي قصده ، وينسى الشغل الذي نهض له . وقد قيل لعبد الواحد بن زيد :